الاثنين، 21 مايو 2012

البحر عند خواص المؤمنين

 البحر عند خواص المؤمنين

البحر عند خواص المؤمنين

قال الله تعالى : ( قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ) الكهف (109) ، يقول الشيخ ابن عجيبة : الإشارة في هذه الآية : ( إن الذين آمنوا ) إيمان الخصوص ، وعملوا عمل الخصوص - وهو العمل الذي يقرب إلى الحضرة – كانت لهم جنة المعارف نُزلاً ، ( خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً ) لأنَّ من تمكن من المعرفة لا يُعزل عنها ، بفضل الله وكرمه ، ثم يترقون في معاريج التوحيد ، وأسرار التفريد ، أبدًا سرمدًا ، لا نهاية ؛ لأن ترقيتهم بكلمة القدرة الأزلية ، وهي كلمة التكوين ، التي لا تنفد ؛ ( قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي ) هذا مع كون وصف البشرية لا يزول عنهم ، فلا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية ، ( قل إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ ) وحي إلهام ، ويلقى في رُوعي ( أنما إلهكم إله واحد ) لا ثاني له في ذاته ولا في أفعاله ، ( فمن كان يرجو لقاء ربه ) في الدنيا لقاء الشهود والعيان ، ولقاء الوصول إلى صريح العرفان ؛ ( فليعمل عملاً صالحًا ) الذي لا حظ فيه للنفس ؛ عاجلاً ولا آجلاً ، ( ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا ) فلا يقصد بعبادته إلا تعظيم الربوبية ، والقيام بوظائف العبودية (1) .
وفي السنة النبوية الشريفة ورد عن فضل التكبير على ساحل البحر حيث يقول قرة بن إياس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كبر تكبيرة على ساحل البحر عند غروب الشمس رافعاً صوته أعطاه الله من الأجر بعدد كل قطرة في البحر عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات ما بين الدرجتين مسيرة مائة عام بالفرس المسرع ) رواه الطبراني (2) .
ويقول الشيخ الأكبر ابن عربي عن البحر : « هو الدرة التي نظر الله تعالى إليها في مرتبة علمه وظهر في مائها وجهه تعالى وسماها بحراً في العلم ، لأنه وسعها حتى اتسعت لربها » (3) .
ويقول الشيخ عبد الوهاب الشعراني : « البحر : هو القرآن العظيم لمن فهم القرآن ما هو ، فهو العميق الذي لا يدرك لمعانيه قرار ، ولولا أن الغاطس فيه يقصد المواضع القريبة من الساحل ما خرج للخلق أبداً »(4) .
والبحور كما يقول عنها الشيخ أبو العباس التجاني : « هي كناية عن قلوب أكابر العارفين »(5) .
والدكتور يوسف زيدان يقول عن البحار : « يراد بها خوض غمار طريق المحبة » .
وأضاف الدكتور قائلاً : « وذلك فيما يخص الأقطاب الواصلين . أما مطلق السالكين ، فالبحار في حقهم تعنى المجاهدة والرياضة ، ومن هنا ورد في الغوثية : المجاهدة بحر المشاهدة ، فمن أراد المشاهدة فعليه بالمجاهدة »(6) .
وترى الدكتورة سعاد الحكيم : إن بحث مصطلح ( البحر ) عند ابن عربي يجر إلى جملة مصطلحات جانبية متعلقة به مثل : بحر البهت ، بحر التلف ، بحر الهباء ، بحر الأرواح ، بحر الخطاب ، بحر الشكر ، بحر الحب ، البحر الواحد المحيط ، بحر البداية ، بحر القرآن ، بحر ذات الذات ، بحر الأزل ، بحر الأبد ، البحر الأجاج ، بحر الحقيقة ، البحر اللدني ، بحار أرض الحقيقة ... وتعقب بأنه من الصعب إحصاء جملة المصطلحات التي يضيف إليها ابن عربي مفردة ( بحر ) ، ولكنها مع هذا خلصت إلى أربعة معان ترى أنه يمكن اعتبارها قاعدة عامة يمكن تطبيقها على نصوص الشيخ الأكبر لمعرفة المراد بكل مصطلح . وتلك المعاني هي :
أولاً : البحر اسم لقطب غيبي شاهده الشيخ في حضرة برزخية ، يقول الشيخ : « أما أقطاب الأمم المكملين ، في غير هذه الأمة ممن تقدمنا بالزمان ، فجماعة ذكرت لي أسماؤهم باللسان العربي ، لما أشهدتهم ورأيتهم في حضرة برزخية ... فكان منهم ... الواسع ، والبحر » .
ثانياً : ( البحر ) هو ما يقابل ( البر ) للدلالة على الباطن و المعنوي في مقابل الظاهر والبدني ، يقول ابن عربي : « قال تعالى :  جَعَلَ لَكُمُ النُّجومَ لِتَهْتَدوا بِها في ظُلُماتِ الْبَرِّ  الأنعام (97) : وهو ( السلوك ) الظاهر بالأعمال البدنية ،  والْبَحْرِ  : وهو السلوك الباطن المعنوي ، بالأعمال النفسية » .
ثالثاً : يستعير ابن عربي أحياناً من البحر صفته : الاتساع والشمول والإحاطة ... ليضيفها إلى مصطلح ( البهت ) أو ( الهباء ) مثلاً ، ليبرز بذلك خروج هذا المصطلح من ذاتيته وماهيته إلى علاقة بالإنسان ... علاقة عرفانية أو سلوكية في أغلب الأحيان ، تضع الإنسان في مواجهة مضمون المصطلح ، يقول ابن عربي : « إن الميل إلى الجانب الأيمن يرمي بسالكه في بحر البهت والسكون ، فيخسر عمره فتنتقص مرتبته عن مرتبة غيره ... والميل أيضاً إلى الجانب الأيسر يلقيه في بحر التلف وهلاك الأبد » .
رابعاً : ( البحر ) من الرموز العرفانية التي تتمتع بدلالات موحية ، استطاع ابن عربي أن يستغلها في بنيانه الفكري ، فترد بحر عنده على الأغلب في سياق نص عرفاني علمي لتتضمن مفهوم ( العلوم والأسرار ) ، يقول ابن عربي : « إن البحر عبارة عن العلم »(7) .
وفي تأويل قوله تعالى :  وَهُوَ الَّذي سَخَّرَ الْبَحْرَ  النحل (14) يقول الشيخ نجم الدين الكبرى : « هو الذي سخر لكم بحر العلوم ، لتأكلوا منه الفوائد الغيبية والمواهب السنية ، وتستخرجوا من بحر العلوم جواهر المعاني ودرر الحقائق حلية لقلوبكم ، تلبس بها أرواحكم النور والبهاء . وترى سفائن الشرائع والمذاهب جاريات في بحر العلوم »(8) .
أما تأويل قوله تعالى :  أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً  المائدة (96) فيقول الشيخ نجم الدين الكبرى : « [ صيد البحر ] : ما تصيدون من بحر المعرفة من المشاهدات والكشوف ... [ صيد البر ] : هو ما سنح في أثناء السير إلى الله من مطالب الدنيا والآخرة كما قال :  الدنيا حرام على أهل الآخرة ، والآخرة حرام على أهل الدنيا ، وكلتاهما حرامان على أهل الله  »(9) .
وفي تأويل قوله تعالى :  وَإِذا الْبِحارُ فُجِّرَتْ  الإنفطار (3) يقول الشيخ نجم الدين الكبرى : « وفيه إشارة إلى بحار الأرواح والأسرار والقلوب حيث فجرت بعضها في بعض بالتجلي الأحدي وصارت بحراً واحداً ، وإلى بحار الأجسام العنصرية حيث فجرت بعضها في بعض بزوال البرازخ الحاجزة عن ذهاب كل إلى أصله : وهي الأرواح الحيوانية المانعة عن خراب البدن ، ورجوع أجزائه إلى أصلها »(10) .
وتأويل قوله تعالى :  مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقيانِ  الرحمن (19) يقول الإمام القشيري : « في الإشارة : خلق في القلوب بحرين : بحر الخوف وبحر الرجاء ، ويقال : القبض والبسط ، وقيل : الهيبة والأنس ... ويقال : البحران : إشارة إلى النفس والقلب ، فالقلب هو البحر العذب ، والنفس هي البحر الملح »(11) .
أما مجمع البحرين فتأويله عند الشيخ نجم الدين الكبرى : « هو الولاية بين الطالب وبين الشيخ ، ولم يظفر المريد بصحبة الشيخ ما لم يصل إلى مجمع ولايته ... وعند مجمع الولاية عين الحياة الحقيقية ، فبأول قطرة من تلك العين تقع على حوت قلب المريد يحيي ويتخذ سبيله في البحر عن الولاية سرباً »(12) .
وقول الشيخ عبد الغني النابلسي عن مجمع البحرين هو : « الإشارة بمجمع البحرين الذي كان اجتماعهما فيه : يقتضي أنه اجتمع بحر العلوم الظاهرية وبحر العلوم الباطنية ، وهما موسى والخضر ، ثم افترقا بسبب إقامة الجدار بينهما »(13) .
أما بحر الطريقة ، ففي اصطلاح الطريقة الكسنزانية : هو أستاذ الطريقة ، لأنه مصدر إفاضة أمدادها ، أي : قوتها الروحية من الحقيقة المحمدية .. وبحر العلوم : هو العلم المطلق ، وهو علم التصوف ، لأن مصدره ووسيلته وغايته الحق - سبحانه وتعالى – (14) .
وأما بحر القلب فيصفه الغوث الأعظم عبد القادر الكيلاني ، ويقول : إن المراد ببحر القلب هو العلوم والأسرار والحكم الإلهية التي لا يمكن لأحد حصرها ، وقد أشار الغوث الأعظم إلى ذلك بقوله : « غواص الفكر يغوص في بحر القلب على درر المعارف ، فيستخرجها إلى ساحل الصدر ، فينادي عليها سمسار ترجمان اللسان فتشترى بنفائس أثمان حسن الطاعة :  فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ  النور (36) »(15) .
ويقول الشيخ أبو بكر الشبلي (قدس الله سره) : « أنتم أوقاتكم مقطوعة ووقتي ليس له طرفان وبحري بلا شاطئ » فيعلّق الشيخ الطوسي على النص قائلاً : « يعني بذلك أن الحال الذي خصني الله تعالى به من التعظيم لله وخالص الذكر له والانقطاع إليه لا نهاية لها ولا انقطاع ، والشيء إذا لم تكن له نهاية ولا غاية فلا يعبر عنه بأكثر من ذلك »(16) . 
وكذلك يعلق الدكتور حسن الشرقاوي على عبارة (بحر بلا شاطئ) فيقول : يعني عند الصوفية أن الصوفي قريب من الله ، يمده بعلمه الإلهامي الذي لا نهاية له ، فالصوفي يستقي نبعه من علم الله الذي لا ينفذ ، ومن أسرار الله التي لا تنقطع ، ومن وجود الله الذي لا يتوقف ، ومن نور الله الذي لا ينضب ، ولذا يقول الصوفي : ( بحري بلا شاطئ ) (17) .
ــــ المصدر:مكتب الارشاد والمتابعة

القرآن بين التفسير الظاهري عند بعض العلماء والتفسير الإشاري عند الصوفية

القرآن بين التفسير الظاهري عند بعض العلماء والتفسير الإشاري عند الصوفية

القرآن بين التفسير الظاهري عند بعض العلماء والتفسير الإشاري عند الصوفية

يقول الأستاذ حسن عباس زكي : ( إن القرآن كلام الله ، وكلام الله صفته النفسية ، والصفة تدل دلالة واضحة على الموصوف ، وكما أن الموصوف وهو الحق سبحانه لا تدرك حقيقته فكذلك صفته .. ولهذا وقفنا أمام كلام الله حائرين لا نجزم بتحديد مراميه ، ولا نقطع بأن ذلك التفسير عين مراد الحق منه ، لأن كلام الله القديم إنما يفسره المفسرون بلغتنا العربية المحدثة بناءاً على مدركات عقولهم البشرية . واللغة العربية من صنع المخلوق ، وكلام المخلوق محدود ، لأنه يعبر عن محدود ، ومحال أن يحيط بالتعبير صنع المخلوق المحدود عن كلام الله وصفته التي لا تحدها الحدود .
ومن هنا كان القرآن حمالاً لوجوه عدة من المعاني ، وكان أمراً طبيعياً ما يتجدد فيه كل يوم من فهوم ، وستظل تلك المعاني تتجدد إلى ما شاء الله ، وسيبقى القرآن معها كما هو لا تبلى جدته ولا يكشف عن حقيقة مراده .
وليس غريباً بعد ذلك أن يذهب المسلمون مذاهب شتى في تأويله ، فالمفسرون من علماء الشريعة يقفون عند ظاهر اللفظ ، وما دل عليه الكلام من الأمر والنهي والقصص والأخبار والتوحيد وغير ذلك .
وأهل التحقيق أو الصوفية يقرون تفسيرهم هذا ويرونه الأصل الذي نزل فيه القرآن . ولكن لهم في كلام الله مع الأخذ بهذا التفسير الظاهري مذاقات لا يمكنهم إغفالها لأنها بمثابة واردات أو هواتف من الحق لهم .
فلا ينبغي أن نقف القرآن على تفسير معين على أنه المراد ، فلا نقول كما يقول البعض : إن التفسير الظاهري وحده هو المقصود ، كما لا يرى أهل التحقيق أن تفسيرهم وحده هو المراد ، لأن القول بالتفسير الظاهري وحسب تحديد ( لكلام الله ) غير المحدود ، وإخضاع القرآن للغة التي مقياسها العقل المحدود ، والوقوف في تفسير كلام الله عند العقل المحدود عقال عن الانطلاق فيما وراه الغيوب ، وإغلاق الباب لمذاقات ليس العقل مجالها لأنها لا تخضع لمقاييسه وإنما تخضع لشيء آخر فوقه وتدرك بلطيفة أخرى سواه .
إذن فهناك ما فوق العقل ألا وهو القلب ، وليس المقصود بالقلب قطعة اللحم الصنوبري ، وإنما المراد به تلك اللطيفة النورانية الربانية .
إنه القلب الذي لا تحده الحدود ، لأنه عرش استواء تجليات الرب على مملكة الجسم ، قال رب العزة في حديثه القدسي :  ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن  وهو القلب الذي اختصه الله بالإسرار والذي يجب أن يستفتيه الإنسان إذا حار ، سأل وابصة ابن معبد رسول الله عن البر و الإثم فقال :  يا وابصة استفت قلبك . البر ما اطمأنت إليه النفس ، واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك  ذلك هو القلب المراد وله لغته ، كما أن للعقل لغته . وإذا كانت لغة العقل تدرك بالألفاظ ، ويعبر عنها بالكلمات فلغة القلب تدرك بالذوق ، لأنه لا يحيط بالتعبير عنها اللفظ .
ولنقرب إلى الفهم ، فلغة القلب مثل التفاحة .. فلن يستطيع من أكلها وأحس حلاوتها أن يترجم باللفظ أو يعبر بالوصف لمن لم يأكلها قبل - عن طعمها ومذاقها . وهكذا لا تدرك لغة القلب بوصف أو بلفظ ، وإنما يدركها ذو قلب متذوق . ولذلك لا تحيط بالتعبير عن لغة القلب العبارة ، وإنما يعبر عنها بالإشارة .
فالإشارة : ترجمان لما يقع في القلب من تجليات ومشاهد ، وتلويح لما يفيض به الله على صفوته وأحبابه من أسرار في كلام الله وكلام رسوله . ومن هنا كانت مذاقات الصوفية وأهل التحقيق في قرآن الله الكريم وكلامه القديم ...
وهم لا يرون أن تلك المذاقات وحدها هي المرادة ، وإنما يأخذونها إشارات من الله لهم بعد إقرار ما قاله أهل الظاهر من تفسير باعتباره أصل التشريع . وجلي بعد ذلك أنه لا مجال لمعترض ممن ينكر عليهم مذاقاتهم ، ويراها ميلاً بكلام الله عن مجراه ما داموا لا يأخذون بمذاقاتهم وحدها ، وإنما يأخذون بها مع إقرارهم لتفسير أهل الشرع . فلا يعنينا من ذي جدل أن يقول عن هذه الإشارات أنها إحالة لكلام الله - عز وجل - وتغيير لسياقه ومجراه ، لأن ذلك يصدق لو قالوا : إنه لا معنى للآية إلا هذا ، وهم لا يقولون ذلك بل يقرون الظواهر على ظواهرها ويفهمون عن الله ما أفهمهم .
وذلك مصداق الحديث الشريف :  لكل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع  فالباطن لا يعارض الظاهر ، والظاهر لا يعارض الباطن . وذلك النهج بعيد كل البعد عما نادى به ( الباطنية ) من الأخذ بباطن القرآن لا ظاهره ، وقصرهم معاني القرآن على ما ادعوه من تفسيراتهم دون غيره ، لأنهم بذلك لا يقرون الشريعة ويبطلون العمل بها . وهم لا يخضعون دعواهم للنص القرآني بل يخضعون النص القرآني لدعواهم .
وهنا يزول ما التبس على البعض من أن مذاقات الصوفية في القرآن الكريم نزعة باطنية فبينهم وبينها آماد وأبعاد ، بل إنهم لبريئون منها ، ولينكرونها كل الإنكار ، وواضح ذلك من أنهم يأخذون بالباطن بعد الأخذ بالظاهر ، ويقرون الحقيقة بعد الأخذ بالشريعة . ويرون أن الحقيقة نفسها أساسها الشريعة ، فالفرق ثمة كبير ، والبون شاسع وعظيم .
ولا مجال بعد هذا الإيضاح لإنكار من ينكر على الصوفية مذهبهم في الإشارات وما يختصهم الله به في كلامه وكلام رسوله من الأسرار والفيوضات . على أن تلك الإشارات أمر مشروع أقره الحديث المذكور آنفاً : لكل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع  ، فأربابها متبعون لا مبتدعون اختصهم الله بأسراره في آياته ليكونوا مصابيح الهدى في غسق الدجى كما أقره عمد الدين ، وذوو العلم من المؤلفين :
قال سعد الدين [ التفتازاني ] في شرح العقائد النسفية : « وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها ومع ذلك فهي إشارات خفية إلى حقائق تنكشف لأرباب السلوك يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان » وقال الشيخ زروق رضي الله تعالى عنه : « نَظَرُ الصوفي أخص من نظر المفسر وصاحب فقه الحديث » ، لأن كلاً منهما يعتبر الحكم والمعنى ليس إلا وهو يزيد بطلب الإشارة بعد إثبات ما أثبتناه .
فإذا دار المفسرون في حدود اللفظ القرآني ، واستنبط منه الفقهاء ما استنبطوا من أحكام فلأولي الألباب وذوي البصائر فيه بعد ذلك من الأسرار والحقائق ما لا ينكشف لسواهم ولا يدركه غيرهم . وذلك لتجدد واردات الحق عليهم ، ودوام تنزل الفيوضات على قلوبهم لأنهم أهله ومحبوه .
ثم إن فيض الله المتجدد في كلامه لهم لمما يزيد في كمال إعجاز القرآن ويؤكد أن إعجازه أسمى من أن يكون في فصاحة لفظه وقوة أسره وبلاغة أسلوبه ، وإنما إعجازه فوق ذلك في أسراره ومعانيه ومراده ومراميه . وأهل الله أولى الناس بتفهم مراده ومعرفة مرامي كلامه ومن ثم كان ما ينكشف لهم في كلام الله من أسرار بمثابة إشارات لهم-وحدهم ، لأن الإشارة لغة المحب مع المحبوب ، والإشارة بعد ذلك تلويح للمراد لا إفصاح عنه لعدم قدرة الألفاظ على تحمل المراد ، لأن العبارة تحدد ما يشيرون إليه ، وما يشيرون إليه إنما يكون عن مشاهدة ، وما يشاهدونه ليس بمحدود إذ هو من عالم الغيوب ، فلا اللفظ قادر على تحديد المراد ، ولا قابليات العقول تطيق ذلك . ومن ثم سميت مذاقاتهم في القرآن إشارات ولم تسم تفسيراً .
وقد تحلى القرآن الكريم بمثل تلك الإشارات من رموز الحواميم وألم وطسم الخ ، وهي إشارات بين الحق ورسوله أو ( شفرات ) - بالتعبير الحديث - بين المحبوب وحبيبه ولا يعرف حلها إلا من لديه مفتاحها . ومفتاح تلك ( الشفرات ) وفهم تلك الإشارات في حوزة من لديه الفهم لمراد المشير ، وهم بعد الرسول ورثته من العلماء بالله وأوليائه . 
نقل عن الصالحين أن الله تعالى لما أنزل على سيد العالمين قوله تعالى : كهيعص  مريم (1) ، قال جبريل - عليه السلام - : (ك) قال النبي : عرفت . قال جبريل - عليه السلام - : (هـ) قال : - اللهم صل عليه وآله - عرفت ، قال جبريل (ي) قال : عرفت ، قال جبريل : - عليه السلام - قال عرفت ، قال جبريل - عليه السلام - قال النبي : عرفت ، قال جبريل : عرفت وأنا لم أعرف سبحان من أعطاك .
ولا عجب فيما ينكشف لأرباب الإشارات من فيوض في قرآن الله أو حديث رسوله ، فما زال المفسرون يتجدد لهم في كلام الله كل يوم معان لم تسبق ، لا ينكرها الناس بل إليها يستريحون ، ففيم الإنكار على أرباب الإشارات وهم عن الله مشاهدون ، ولهم منازلات ومقامات فيتكلمون بما يشاهدون في منازلاتهم وينطقون عما يرون في مقاماتهم ؟
أجل معذور من ينكر عليهم ، لأنه لم يذق ما ذاقوا ، فلو ذاق لعرف وينبغي ألا يغيب عنه أن تلك الإشارات بمثابة اصطلاح يفهمه أهل التحقيق ولا يجدر أن يعارضهم في اصطلاحهم اصطلاح جماعة أخرى مادام لكلٍ اصطلاحه .
فالحق أن كلام الله : نور يرسل إلى القلوب وهي أوعية يتلون ذلك النور بلونها ... وكلٌ يرسل بتفسيره شعاعاً حسب استعداده وقابليته وما استودع فيه .
ومنهم الإمام علي بن أبي طالب الذي أشار إلى صدره بعد أن تأوه مرتين ثم قال : ( إن ها هنا علوماً جمة لو وجدت لها حملة !!! ) ويروى عنه أنه قال : ( لو شئت لأوقرت من تفسير الفاتحة سبعين بعيراً ) أولئك هم علماء الله بحق ، الذين عناهم رسول الله بقوله :  إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة بالله - عز وجل - .
ذلك نزر يسير مما عليه أهل الإشارات من مكانة ، وقدر ضئيل مما شرفهم الله به من منزلة ، ونستطيع بعد ذلك أن نعرض من مميزات وخصائص علم الإشارة ما يأتي :
أولاً : علم الإشارة لا ينظر إلى قصص الأنبياء في القرآن الكريم على أنها قصص قد انتهت بانتهاء أممهم ، وأن تلاوتها الآن للعظة والاعتبار فحسب ، وإنما يرون مع ذلك أن الخطاب بها ما زال قائماً يوجه الإنسان في كل عصر وأوان باعتبار مملكة الله الصغرى التي انطوى فيها العالم كله ، فمثلاً يرمزون لموسى بالقلب أو الروح وإلى فرعون بالنفس .
وبذلك يكون القرآن في حالة تجدد نزول لم ينته الخطاب بانتهاء زمانه باعتبار كلام الله وصفته القائمة بذاته ، وتظل بذلك صفة الكلام الإلهي قائمة غير معطلة لم تنته بنزول الكتب السماوية فما زال الحق - سبحانه وتعالى - متكلماً أبداً .
ثانياً : علم الإشارة يكشف عن صدق أهله مع ربهم وأمانتهم عند الحديث عن كلامه ، فكل ما قاله القرآن وما تناولته ألفاظه من أداء هو في مذهبهم حقيقة لا يعرفون مجازاً ولا يلجئون إلى كناية ، لأنهم بما شاهدوا وذاقوا يدركون هذه الحقائق . ولما كانت تلك مواجيد وأذواق لا يمكن نقلها إلى الغير بعبارة رمزوا لها و أشاروا ، ومن هنا أنكر عليهم من أنكر ، أما من شاهد مثلهم فقد عرف ما عرفوا ، بل ربما تجدد له من ذلك مشهد أو حقيقة أو مذاق ، وهكذا نرى أن أهل الله أمناء على كلامه ، دفعتهم غيرتهم على محبوبهم ، وعظيم احترامهم لجنابه ، وإكبارهم لكلامه ألا يميلوا عن منطوق ألفاظه إلى مجاز أو كناية خشية البعد عن مراده ،ولِمَ اللجوء إلى المجاز ما دام للحقيقة عندهم مخلص ؟ فهم لا يرون في قوله - سبحانه وتعالى - :  وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ  يوسف (82) ، إن السؤال لأهلها فحسب بتقدير مضاف كما قيل أي واسأل أهل القرية ، وإنما السؤال للقرية بكل ما فيها ومن فيها ما داموا يشاهدون تسبيح الجماد ونطق الحيوان .
واقرأ إن شئت قوله تعالى :  وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  الإسراء (44) ، وقوله :  يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ  سبأ (10) ، وقوله في حق السماء والأرض :  قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  فصلت (11) ... إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث . وعلى ذلك فلا يكون سؤال القرية قاصراً على أهلها ، لأنه سؤال لما فيها ومن فيها .
والمخاطب ذلك لو كانت لديه الخصوصية لخاطب القرية بكل ما تحتويه من كائنات .
وثمة مثال ثان : فهم لا يعترفون بأن كلمة في القرآن وضعت مكان كلمة أخرى أو بمعناها ، ففي قوله - جل جلاله - :  وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ  الشورى (25) لا يرون أن ( عن ) بمعنى ( من ) تمشياً مع إنابة حروف الجر بعضها عن بعض ، وإنما ينظرون إلى منطوق اللفظ نفسه وهو ( عن ) ففي اللغة تفيد معنى المجاوزة ويكون المراد - والله أعلم - أن الحق يقبل التوبة متجاوزاً عن عباده في توبتهم لعدم خلوصها رحمة منه بهم ، وذلك المعنى لا شك أبلغ وأفصح .
على أن مذهب أهل الإشارات : حلاً لكل العقد ، وحسماً للخلافات ، وزوالاً للشبه والريب من مسائل الكسب والاكتساب والجبر والاختيار والنعيم والعذاب للجسم أو للروح الخ ...
كل هذا وغيره من خلافات أهل علم الكلام والعقائد لا ظل له عندهم ، لأنهم اطلعوا على سر الله في أقضيته ومقداراته وتحققوا بذلك فاستراحوا وملأت قلوبهم السكينة وأفئدتهم الطمأنينة فاستشعروا في حياتهم من السعادة مالم يذقه غيرهم . ذلك لأنهم فتحوا عيون قلوبهم ولم يقيسوا بعقولهم ، لأن العقل مجاله محدود لا يكشف مهما كانت قدرته عما وراء الغيوب وإلا فيم يعلل العقل رؤية نبينا لموسى - عليه السلام - مرتين في قصة الإسراء والمعراج ، مرة في بيت المقدس وهو يصلي وراءه وأخرى في السماء وهو يراجعه في أمر الصلاة مع أن موسى لم يترك قبره ولم يفارق مثواه . والعقل يحار أيضاً أمام حديث سجود الشمس تحت العرش كل يوم وأنها لا تطلع حتى يؤذن لها بالطلوع مع أنها لا تغيب عن الكون لحظة . وشبه ذلك كثير من الأمثلة .
هذا وفي سوق الواقعة الآتية ما يجعلك تلمس أن أهل التحقيق هم الذين يفهمون عن الله ورسوله ما لا يفهمه غيرهم ، وأن من رحمة الله بعباده أن يكونوا بينهم ، وإليك الواقعة : اشتكى رجل مرضاً حار فيه نطس الأطباء فرأى رسول الله يرشده إلى أن يأخذ من ثمرة شجرة ( لا و لا ) ويستعملها ففيها شفاؤه ، وحار الرجل في تفسير رؤياه ، وحار معه في حل رمزها علماء العصر ، حتى شاء الله له الخير فالتقى برجل من أهل التحقيق فأجابه على الفور : أمرك يسير . علاجك في شجرة الزيتون فهي التي يقول الله فيها :  لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ  النور (35) (1) )). 
ومن تأويلاتهم وأذواقهم في علم التوحيد والتي تفردوا بها ، أن كل ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالرب تعالى يتقدس عنه ، فمن ذلك : أنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات ، والاتصاف بصفات المحدثات ، وكذلك لا يوصف بالتحول ، والانتقال ، ولا القيام ، والقعود ؛ لقوله تعالى : ( ليس كمثله شيء ) الشورى (11) .
قال أبو عثمان المغربي يوماً لخادمه محمد المحبوب : لو قال لك قائل : أين معبودك ؟ ماذا كنت تقول له ؟ فقال : أقول حيث لم يزل ولا يزول ، قال : فإن قال : فأين كان في الأزل ؟ ماذا تقول ؟ فقال : أقول حيث هو الآن ، يعني : إنه كما كان ولا مكان ، قال أبو عثمان : كنت أعتقد شيئاً من حديث الجهة ، فلما قدمت بغداد وزال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابنا : إني قد أسلمت جديداً .

وقال بعض أهل التحقيق : ألزم الكل الحدث ، لأن القدم له ، فهو سبحانه لا يظله فوق ، ولا يقيه تحت ، ولا يقابله حد ، ولا يزاحمه عد ولا يأخذه خلف ، ولا يحده أمام ، ولا يظهره قبل ، ولا يفنيه بعد ، ولا يجمعه كل ، ولا يوجده كان ، ولا يفقده ليس ، باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم ، إن قلت متى ؟ فقد سبق الوقت كونه ، وإن قلت أين ؟ فقد تقدم المكان وجوده ، فوجوده إثباته ، ومعرفته توحيده أن تميزه من خلقه ما تصور في الأوهام ، فهو بخلاف ذلك كيف ، يحل به ما منه بدؤه ، أو يتصف بما هو إنشاؤه ، لا تمقله العيون ، ولا تقابله الظنون ، قربه كرامته ، وبعده إهانته ، علوه من غير ترق ، ومجيئه من غير تنقل ، هو الأول ، والآخر والظاهر ، والباطن ، والقريب البعيد ، الذي ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) الشورى (11) .
روي عن الإمام علي عليه السلام : أنه قال في جواب مسائل سأله عنها اليهود ، فقال : إن الله تعالى كلم موسى عليه السلام بلا جوارح ، ولا أدوات ، ولا حروف ، ولا شفة ، ولا لهوات ، سبحانه عن تكيف الصفات .

وأيضاً ما روي عن الإمام علي عليه السلام أنه سئل هل رأيت ربك ؟ وكان السائل له دعبل ، فقال في جوابه : لم أعبد رباً لم أره ، فقال له كيف رأيته ؟ قال : لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، بل رأته القلوب بحقائق الإيمان ، ويحك يا دعبل ! إن ربي لا يوصف بالبعد وهو قريب ولا بالحركة ، ولا بقيام ، ولا انتصاب ، ولا مجئ ، ولا ذهاب ، كبير الكبراء لا يوصف بالكبر ، جليل الأجلاء لا يوصف بالغلظ ، رؤوف رحيم لا يوصف بالرقة ، آمر لا بحروف ، قائل لا بألفاظ ، فوق كل شيء ولا يقال شيء تحته ، وخلف كل شيء ، ولا يقال شيء قدامه ، وأمام كل شيء ، ولا يقال له أمام ، وهو في الأشياء غير ممازج ولا خارج منها كشيء من شيء خارج ( تبارك اللّه رب العالمين ) الأعراف (54) لو كان على شيء لكان محمولاً ، ولو كان في شيء لكان محصوراً ، ولو كان من شيء لكان محدثاً (2) .

وفي مفهوم أن القديم والحادث لا يلتقيان ، فإذا قرن الحادث بالقديم تلاشى الحادث وبقي القديم .
قال رجل بين يدي الجنيد قدس الله سره : الحمد لله ، ولم يقل رب العالمين ، فقال له الجنيد : كمله يا أخي ، فقال له الرجل : وأي قدر للعالمين حتى يذكروا معه ، فقال الجنيد : قله يا أخي ، فإن الحادث إذا قرن بالقديم تلاشى الحادث وبقي القديم . وقد تقرر أن الأشياء كلها في حيز العدم إذ لا يثبت الحادث مع من له وصف القدم ، فانتفى القول بالإتحاد إذ معنى الإتحاد هو اقتران القديم مع الحادث فيتحدان حتى يكونا شيئاً واحداً وهو محال إذ هو مبني أيضاً على وجود السوى ولا سوى وقد يطلقون الإتحاد على الوحدة كقول ابن الفارض :
وهامت بها روحي بحيث تمازجا ... إتحاداً ولا جرم تخلله جرم
فأطلق الإتحاد على اتصال الروح بأصلها بعد صفائها ؛ ولذلك قال بعده ولا جرم تخلله إلخ فتحصل أن الحق سبحانه واحد في ملكه قديم أزلي باق أبدي منزه عن الحلول والإتحاد مقدس عن الشركاء والأضداد ( كان ولا أين ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان ) .
وسئل أبو الحسن النوري رضي الله عنه : أين الله من مخلوقاته ؟ فقال : كان الله ولا أين ، والمخلوقات في عدم ، فكان حيث هو وهو الآن حيث كان ، إذ لا أين ولا مكان ، فقال له السائل : وهو علي بن ثور القاضي في قصة محنة الصوفية : فما هذه الأماكن والمخلوقات الظاهرة ؟ فقال : عز ظاهر وملك قاهر ومخلوقات ظاهرة به وصادرة عنه لا هي متصلة به ولا منفصلة عنه فرغ من الأشياء ولم تفرغ منه لأنها تحتاج إليه وهو لا يحتاج إليها ، قال له : صدقت ، فأخبرني : ماذا أراد الله بخلقها ؟ قال : ظهور عزته وملكه وسلطانه ، قال : صدقت ، فأخبرني : ما مراده من خلقه ؟ قال : ما هم عليه ، قال أو يريد من الكفرة الكفر ؟ قال : أفيكفرون به وهو كاره ؟ ثم قال : أخبرني ماذا أراد الله باختلاف الشيع وتفريق الملل ؟ قال : أراد إبلاغ قدرته وبيان حكمته وإيجاب لطفه وظهور عدله وإحسانه . 
والمراد منه وفيه : إشارة إلى أن تجليات الحق على ثلاثة أقسام ، قسم أظهرهم ليظهر فيهم كرمه وإحسانه وهم أهل الطاعة والإحسان ، وقسم أظهرهم ليظهر فيهم عفوه وحلمه وهم أهل العصيان من أهل الإيمان ، وقسم أظهرهم ليظهر فيهم نقمته وغضبه وهم أهل الكفر والطغيان ، فهذا سر تجليه تعالى في الجملة (3) . 
وسئل ذو النون المصري عن قوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) طه (5) ، فقال : أثبت ذاته ونفى مكانه ، فهو موجود بذاته ، والأشياء موجودة بحكمه ، كما شاء سبحانه . 
وسئل الشبلي قدس الله سره عن قوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) فقال : الرحمن لم يزل ، والعرش محدث والعرش بالرحمن استوى . 
وسئل جعفر بن نصير عن قوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) فقال : استوى علمه بكل شيء فليس شيء أقرب إليه من شيء .
وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : من زعم أن الله في شيء ، أو من شيء ، أو على شيء ، فقد أشرك ؛ إذ لو كان على شيء لكان محمولا ، ولو كان في شيء لكان محصوراً ، ولو كان من شيء لكان محدثاً .
وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام أيضاً في قوله : ثم دنا فتدلّى : من توهم أنه بنفسه دنا جعل ثمَّ مسافة ، إنما التدني أنه كلما قرب منه بَعَّده عن أنواع المعارف إذ لا دنوَّ ولا بُعد (4) .

الخميس، 17 مايو 2012

الشيخ فرح ود تكتوك

 هو الشيخ فرح بن محمد بن عيسى بن قدور بن عبدل بن عبد الله بن محمد الأبطح – وهو الذي تنسب إليه قبيلة البطاحين .

أما اللقب "تكتوك" ففيه عدة روايات .. الأولى تقول أنه لقبٌ لأبيه لحق به .. أما الروايتان الأخريتان فتلصقان اللقب به شخصيًا .. فتقول إحداها، "أن أحد أشياخه دعا عليه – لفعلٍٍٍٍٍٍٍ ما صدر منه وهو صبي – فسقط مغشيًا عليه، وصار صدره "يتكتك" – أي يصدر صوتًا. أما الرواية الأخرى فتقول أن سبب اللقب جاء من أن صدره كان يسمع "تكتيكًا" – من كثرة قراءة القرآن.

أما تاريخ ميلاد الشيخ فرح فهو أيضًا محل خلاف فبينما يذهب نعوم شقير – في جغرافية وتاريخ السودان – إلى أن ذلك كان في حوالي عام 1100هـ.. يذهب الأستاذ الطيب محمد الطيب إلى ترجيح القول بأنه مولود في منتصف القرن الحادي عشر الهجري وأنه لم يعاصر بداية تأسيس "دولة سنار" أو "السلطنة الزرقاء" أو "دولة الفونج" بل كانت حياته بعد ما يقارب القرن من قيامها، أي في الثلث الثاني من عمرها .. في عهد الملك بادي أبو دقن.

والشيخ فرح ود تكتوك فقيه درس على يد عدد من أشهر فقهاء زمانه، منهم الشيخ "أرباب العقائد"، و"الخطيب عمار بن عبد الحفيظ"، و"الخطيب عبد اللطيف بن الخطيب عمار" .. وتنقل في بداية حياته في طلب العلم من مكان إلى آخر حتى استقر به المقام في قرية "الحجيرات" قريبًا من سنار.. واجتمع حوله تلاميذ ومريدون شكل بهم مدرسة اجتماعية قوامها العمل والكدح، على خلاف ما كانت عليه عادة المتصوفة والمشايخ في زمانة من التبطل والانقطاع.


البيئة الاجتماعية التي عاش فيها الشيخ فرح:

تميزت الفترة التي عاش فيها الشيخ فرح، بضعف التدين وظهور الإنحرافات والبدع لدى العامة والخاصة .. بل امتد الأمر إلى أن طال السلاطين والحكام، وطال حتى الفقهاء – الذين يطلق عليهم لقب فقراء – ويمكن أن نقول عنها أنها فترة تسيُّد الفكر الصوفي الباطني بما يحوى من بدع وخرافات وضلالة.

ودخول الإسلام – نفسه – تداخلت فيه عوامل أثَّرت في مجموعها في طبيعة التدين لدى الناس في السودان .. ففي البدء كانت القبائل البدوية – من جهينة وغيرها – التي تدفقت إلى البلاد بأعداد هائلة – في القرن الثالث عشر الميلادي – هي التي اسقطت الدويلات النوبية المسيحية التي كانت قائمة .. هذه القبائل لم تكن على علم كبير بالدين، بل عرفت عنها الهمجية والفوضى – سجل ذلك ابن خلدون في تاريخه - .. جاء بعد ذلك العلماء والفقهاء الذين توافدوا من شمال إفريقيا وغربها، قبل وبعد قيام دولة الفونج التي اهتمت بتكريم العلماء وأعلت من شأنهم.. لكن الانتقال من التقاليد النوبية وبقايا الوثنيات القديمة – التي كانت منتشرة – إلى تعاليم الإسلام، كان بطيئًا وشابه كثير من الخلط.. خاصة مع غرابة اللسان العربي على الفونج أهل الدولة في سنار.. اضف إلى ذلك قلة التعليم بين العامة.

يلحق بذلك عامل ثالث هو توافد التيار الصوفي الباطني الغالي، ممثلاً في دعاة من أمثال "تاج الدين البهاري" وأتباعه من بعده وكالشيخ المسمى بـ"الهميم".. وقد نشب الصراع في بادئ الأمر بين الفقهاء والعلماء من جهة وبين المتصوفة من جهة أخرى، بسبب تعدي الأخيرين على حرمات الدين واجترائهم على المنكرات والبدع باسم الولاية والكرامات.. ولكن إنتشار الأمية والجهل لدى الناس واختلاط الخرافة بمعتقداتهم إلى جانب مخالطة المتصوفة لهم أكثر ـ من العلماء ـ أدى إلى ترجيح جانب الصوفية الباطنية والخرافة على العلم والفقه.

كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى نشوء قاعدة عريضة لا تعرف من الدين إلا اسمه، وانتشرت البدع والضلالات والخرافات، وصار العامة والسلاطين والمشايخ أنفسهم يقعون في المحظورات الشرعية من زواج بالنساء من دون عدة، وتعدد في الزوجات فوق الأربع، وجمع بين الأختين – كما فعل الشيخ الهميم – .. ومال بعض الفقهاء إلى جانب السلاطين الذين أغدقوا عليهم الأموال، وأقطعوهم الأراضي حتى صاروا طبقة أرستقراطية تملك الخدم والحشم والرقيق والأموال والأراضي الزراعية، فابتعدوا بسلوكهم عن الدين .. وصاروا يجمعون الأتباع والمريدين حولهم ويروجون لكرامات وخوارق المتصوفة. وتقربوا إلى السلاطين بإصدار الفتاوى التي تبيح لهم المحرمات..

كان هذا حال الغالب عدا فئة قليلة من الفقهاء إتصفت بالوقوف في وجه الباطل والثبات مع الحق؛ منهم الشيخ فرح ود تكتوك .. والشيخ حمد ود أم مريوم والشيخ أرباب العقائد.. والقاضي دشين المعروف بقاضي العدالة..

جهود الشيخ فرح في محاربة البدع والانحرافات:

تميز الشيخ فرح بمدرسة فقهية واجتماعية مناهضة للإنحرافات التي كانت واقعة في عصره بكافة أشكالها.. أول ذلك تأكيد هذه المدرسة على قيمة العمل والكسب ومناهضة التبطل والذي كان يمارسه من يسمون بـ"الفقراء".. فكان يحرص على أن يعمل ويعمل تلاميذه وأتباعه..

يا إيـد البدري = قومـي بـدري
اتوضي بـدري = صـلى بـدري
أزرعي بـدري = حـشـي بـدري
أحصدي بدري = شوفي كان تنقدري


كما عبر عن رفضه للأرستقراطية التي يمارسها الفقهاء، والمشايخ وعصره وحرصهم على كنز الأموال وجمع الحشم والخدم وحيازة الأراضي الزراعية، وذلك عندما قام بتوزيع الأراضي التي منحها له السلطان على أتباعه وتلاميذه مقابل زراعتها وفلاحتها.

واجه الشيخ فرح الانحرافات العقائدية التي كانت سائدة في زمانه فدخل في مناظرات عديدة منها مناظرته مع الشيخ "عبد القادر ود هجو" والشيخ "محمد ود عبد الحي" .. كما واجه الفرق الضالة التي حرفت الدين باسم الفقه مثل جماعة "الزبالعة" وزعيمهم "كرين ود عبد الله" ونظم فيهم قوله:

يا أبـَّان طـريقةً مضـللة = يا أبان عملاً ما هو لي الله
وقت العنقريب فوقكم انبله = ما بينفعكم كرين ود عبدالله

وتعني: يا أصحاب الطريقة المضللة، يا أصحاب الأعمال التي ليس هي لله، عندما يحين أجلكم لن ينفعكم كرين بن عبد الله"

أما الانحرافات السلوكية فقد وقف بوجهها بشدة وسخرية لاذعة أحيانًا.. ويذكر هنا أن أحد ملوك جبال تقلي – بجنوب كردفان "جبال النوبة" – ويدعى الملك "تيرا" قد أرسل إلية يطلب منه أن يبيح له الزواج بابنته!.. فرد عليه الشيخ فرح بارجوزة وصفه فيها بالبلاهة وشبهه بالبغال والحمير...

قول للملك تيرا
زوجنالك بنتك الكبيرة
بي سنة البغال والحميرا

واسلوب السجع واحد من الأساليب التي استخدمها الشيخ فرح ببراعة وطوع فيها العامية ـ التي كانت سائدة بسبب ارتفاع نسبة الأمية وضعف اللغة العربية في مجتمع سنار – لقربها من أفهام الناس.. فهو يهاجم انكباب الفقهاء والمعلمين "الفقرا" على مباهج الدنيا ومغانمها:

دُب الفقـــــير إمـــــــا اتقى = وأقـبــــــل عــــلــى دار البـــــقا
دُب الفقير إن طلق الدرب = وشال "عصاتو" ودخل الحرب

وتعني: ما أقبح الفقيه الذي لم يتق الله، ولم يقبل على دار البقاء، ما أقبح الفقيه الذي ترك درب المصطفي، وحمل عصاه وخاض الحروب للدنيا.

ويهاجم المنكرات السلوكية مثل شرب الخمور وغيرها من خلال وصفه لأنواع الرجال :


الرجال فيهم بحور = وفيهم رخم فيهم صقور
وفيهم ردى ولد تكور = ضيع عمره في شرب الخمور

كما استخدم اسلوب التمثيل "الدراما" لتوصيل المعاني، ولعل من أشهر القصص المأثورة عنه : أن ابنته عادت إليه مغاضبة لزوجها وعازمة عليه أن يطلقها منه.. فعمد الشيخ إلى إبريق وضوئه فكسره، وجلس يبكي فجاءت ابنته ووجدته وهو يبكي على إبريقه المكسور .. فاستخفت ببكائه على إبريق.. عندئذ قال لها إن الإبريق كان رفيقًا رأى عورتي وسترني أزمان فكيف لا أقدره وأبكيه... في إشارة منه إلى زوجها.. فارعوت البنت وثابت إلى رشدها.

ورغم إكثار الشيخ فرح من استعمال العامية السودانية إلا أنه فصيح اللسان نظم الشعر بالفصحى الرصينة موجهًا خطابه إلى من يفهم معناها مثل الفقهاء والمعلمين .. وفي هذا السياق تأتي قصيدته النونية التي يشجب فيها اندفاع الفقهاء إلى خطب ود السلاطين والأمراء، والتي قال فيها:


يا واقفًا عند أبواب السلاطين = إرفق بنفسك من همٍ وتحزين
تأتي بنفسك في ذلٍ ومسكنة = وكسر نفس وتخفيض وتهوين
من يطلب الخلق في إنجاز مصلحة = أو دفع ضر فهذا في المجانين
وكم يحاكي لمسجون يدوم له = وكم من السجن في أيدي المساجين
إن كنت تطلب عزاً لافناء له = فلا تقف عند أبواب الســـــــــــــلاطيـــن
إلا الزم العلم والتقوي ومانتجت = من الثمار تفز بالخرَّد العيـــــــــــــــــــــــن
خلِّ الملوك بدنياهم وما جمعوا = وقم بدينك من فرض ومســــــــــــنون
استغن بالله عن دنيا الملوك كما = أستغنى الملوك بدنياهم عن الدين


وفاة الشيخ فرح ود تكتوك:

يرجح الأستاذ الطيب محمد الطيب أن وفاة الشيخ فرح كانت يوم الأحد العشرين من ربيع الثاني سنة 1147هـ .. وكان قد أصيب بالحُمى التي لازمته خمسة أيام .. توفي عن مائة وبضع سنين، وتم دفنه ظهر يوم الاثنين "بمشرع" – مرسى – الحجيرات. ويقع الآن قرب خزان سنار.

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الشكينيبة الشرافه والتاريخ

تقع مدينة الشكينيبة في السودان في الجزء الجنوبي الشرقي لمدينة المناقل على بعد تسع كيلو ترات منها . و لم تشتهر إلا بعد مجيء الشيخ عبد الباقي المكاشفي إليها في عام 1910م. تبلغ مساحتها حوالي 60.000 متر مربع ، و يقدر عدد سكانها حوالي 5.000 نسمة. و يعتمد أهالي المنطقة على الزراعة والرعي وعلى تجارة حول مسيد الشيخ المكاشفي.تعددت الأقوال في أصل الاسم فقيل اسم الشكينيبة من نشكو نوائبنا إلى الله - من قول الشيخ المكاشفي- وقيل من الشكنابه وهي قرعة اللبن عند أهل المنطقة. حط الشيخ المكاشفي رحاله بها وعمرها و حفر البئر وبنى المنازل. وفي هذه البقعة المباركة بنى مسجده وبنى حوله الخلاوى و أشعل نار القرآن و أوقد نار النفقة وشيد دور العلم وحفر الحفير، فأصبحت الشكينيبة مركز القاصدين ومورد الطالبين، و اجتمع فيها أعداد كثيرة من الأجناس المختلفة. فإذا جئت إليها واقتربت منها ترى الناس ينحدرون إليها من كل الجهات ما بين راجلين وراكبين على أشكال عديدة وقد امتلأت منهم مساحات كبيرة وإذا دخلت البلدة وجدت الخلاوي مزينة بطلاب القرآن و العلوم الشرعية ووجدت حلقات الذكر تعج بالذاكرين ووجدت دور الضيافة قد ملئت بأهل المقاصد المختلفة. و تعد الشكينيبة من أكبر الصروح الدينية والمعالم التاريخية التي ساهمت ومازالت تساهم في دفع حركة التعليم والإرشاد الديني في البلاد وقد ارتبط اسمها في أذهان جميع الناس باسم الشيخ عبد الباقي المكاشفي" رضي الله عنه " وما إن يذكر أسم الشكينيبة إلا ويذكر علاج الأمراض النفسية والعصبية والعقلية والروحية وغيرها من الأمراض المستعصية فقد جعل الله فيها سراً عظيماً ألا وهو الشيخ عبد الباقي المكاشفي و خلفاؤه الوارثون علومه. خلاوي القرآن: والحمد لله الذي أوقد نار تعليم القرآن بالشكينيبة وجعلها أرض مباركة طيبة وجعلها أرض ذكر ، و الشكر بعد الله للشيخ عبد الباقي المكاشفي الذي بنى الخلاوي وقام على أمرها والذي علم الناس كتاب الله وأرشدهم إلى سبيل الخير و الصلاح و جاء بالعلماء و الحفظة وكفل أمرهم . والحمد لله ثانياً إذ أنها مازالت إلى اليوم بفضل أبناء الشيخ وأحفاده الوارثين علومه قبلة الطلاب إذ يرسل الناس أبناءهم إليها ليحفظوا و يتعلموا كتاب الله تعالى. وليس هذا فحسب بل يزيد المشايخ على هذا كفالة اليتامى والمساكين وإرسالهم إلى المدارس والجامعات ليكملوا مسيرة تعليمهم. و خلاوي الشكينيبة واحدة من المعالم البارزة التي توحي إلى خصوصية البلدة ،ولقد تخرج منها رجال ومشايخ كثيرون ، وعند الحديث عن خلاوي الشكينيبة لابد من الإشارة إلى الخلاوي الأخرى التي قامت في مسائد و زاويا السادة المكاشفية و سارت على ذات الطريق. ألا جزاء الله الشيخ عبد الباقي المكاشفي وأبناءه وكل المشائخ القائمين على أمر الخلاوي و تحفيظ كتاب الله خير الجزاء الليالي و حلقات الذكر: عند الكلام عن الشكينيبة لابد من الكلام عن إحياء الليالي وإقامة حلقات الذكر كإحياء ليلتي الجمعة والاثنين من كل أسبوع في الشكينيبة وفي مسائد المكاشفية الأخرى. و في الشكينيبة خاصة تقام الاحتفالات الدينية الكبيرة التي يأتي إليها جميع أحباب ومريدي الشيخ من شتى أنحاء البلاد كعيدي الفطر والأضحية المباركين وليلة الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من شهر رجب وتسمى " الرجبية" وهي من أكبر المناسبات بالمسيد و كذا الاحتفالات بمولد سيد البشرية" عليه أفضل الصلوات و أزكى التسليم " والاحتفال بليلة عاشوراء وليلة من النصف من شهر شعبان وكذا الحوليات وغيرها من المناسبات. و الذكر العام عند السادة المكاشفية ذكر جماعي بالاسم المفرد اسم الجلالة " الله الله " في شكل حلقة دائرية يتوسطها الرواة " الشعار" حاملي الدفوف " الطارات " يمدحون المدائح النبوية التي تحمل في طياتها صفات الرسول الكريم " صلى الله عليه وسلم" وتبين فضله و مكانته عظم رسالته التي حث الناس بالتمسك بآدابها وهديها، وهنالك أيضاً القصائد التوحيدية والقصائد القومية التي تروي قصص الأولياء و الصالحين الذاكرين المخلصين الذين جدوا في السير إلى مولاهم. ويقود الذكر شيخ ومن حوله المريدين والمحبين في شكل دائري ويسمون بـ " الاوتاد" لا يتعالى بعضهم على بعض ولو بأطراف الرؤوس كما جاء في نصائح الشيخ " رضي الله عنه " يترنحون شجناً ومحبة بالله الواحد الأحد العظيم ويتمايلون وجداً تمايلاً مصحوبا بالذكر " الله الله " أهزوجة روحانية تبعاً لإيقاعات النوبة والدفوف والكاسات ، تارة بإيقاع خفيف بضربات سريعة متلاحقة وتسمى " الحربية" أو " الخفيفة " وتارة بإيقاع ثقيل ضربة إثر ضربة وتسمى بالثقيل أو " الثقيلة" وهناك إيقاع آخر لا هو بالثقيل ولا هو بالخفيف ويسمى " بالشامية" أو المتلوتا." وبالذكر ومدح المصطفى ومدح أهل الله والإبحار فيهم تسمو أرواح الذكرين وتعلو حتى ترى من بعضهم حالا لا يدركه عامة الناس الحفير : و عند الكلام عن الشكينيبة و عن الشيخ عبد الباقي المكاشفي لابد من الكلام عن الحفير المباركة التي تقع شرق المسيد والتي قام بحفرها الشيخ ومريدوه ما بين عامي 1927 –1928م وتبلغ مساحتها مايقارب خمسة أفدنة تقريبا. تعتمد هذه الحفير المباركة على مياه الأمطار التي تصب وتتجمع فيها في فصل الخريف ، و تظل المياه بها في الغالب طوال أشهر السنة ومن ثم تتجدد في موسم الخريف ، ومن حكمة الله أن مياهها تظل خالية من كل التغيرات و من نواقل الأمراض وقد أكد ذلك بعثة معمل " إستاك" بالخرطوم وبعثة كلية الطب بجامعة الجزيرة الذين زاروها وفحصوا ماءها واكتشفوا أنها من أصح المياه الطبيعية . وهي تلعب دورا مهما في تخفيف عبء معاناة المياه في المنطقة وتشكل هذه الحفير معلما بارزا لكل الناس وهي إرث تاريخي تليد خلفه الشيخ أجراً وصدقةً جاريةً ، وفيها بركة وخير للناس ومنها طينة الحفير التي يتداوى بها الناس وهي إحدى كرامات الشيخ المكاشفي. و لا يقصد أحدا الشكينيبة إلا وكانت زيارة الحفير إحدى اهتماماته فهي مثار عجب ودهشة ، ولقد شهدنا فيها الكثير من العجائب و الغرائب. ومن المعالم والمنارات الواضحة في الشكينيبه القباب حيث أن بها ضريح الشيخ عبد الباقي المكاشفي رضي الله عنه ذاك الصرح الذي حوى الفخار و الأسرار و المعاني. وإلى جانبها تجد قبة الشيخ عبد الله وقبة الشيخ الطيب و قبة الشيخ الجيلي رضي الله عنهم وهي منارات يردها الزوار وينهلون من خيراتها ويشهدون أسرارها وهي توحي على صوفية البلدة و صلاح أهلها.


من أنا

السودان, الشكينيبه, Sudan
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي صل عليه الله ُ في الايات ِ وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات(والله وبالله وتالله لا يجتمع حب إله وحب ذاك درهم في قلب ذي اسراري إن الدراهم مكتوب عليها أذا أحببت درهما أبغضك الجباري لاتنكرن لقولي في كتابتها تالله لايعرفها الا ذا أفكاري(الشيخ عبدالباقى المكاشفى)