عبد الرحيم البرعي .. شاعر الوجدان الصوفي
وهو ديوان يجمع طاقات روحية من الشعر الصوفي الرفيع ، في الابتهالات والتضرعات والاستعطافات ، والمواجد الإلهية ، والمدائح النبوية ، وأولى قصائده قصيدته في التوحيد :
وهي تدل على البرعي الشاعر الصوفي وعلى منهجه وذوقه الصوفي وعلى روحه المتعطشة إلى الظفر بلذة قربه تعالى ، وما أجل ما يقول فيها :
ويبكي غمام الغيث طوعاً لأمره فتضحك مما يفعل الغيث أزهار
ويلي هذه القصيدة : قصائده في الحمد ، واللطف ، والعفو ، ودلائل قدرته تعالى وهي التي يقول في مطلعها :
وقصيدته في مناجاة الله ، ثم قصيدته في بيان نعم الله تعالى ، وقصيدته في بيان كرمه تعالى ، ثم قصيدته الربانية التي يقول في مطلعها :
وفيها يذكر سادة الصوفية ، وينوه بعبد القادر الجيلاني وتلاميذه مما يدل على أنه كان ( جيلانيا ) وهذه القصيدة تدل على أن البرعي كان من شعراء القرن الثامن الهجري على وجه التقريب ، دلالة لزومية بما تضمنته من أعلام بعد سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني .
وفي الديوان قصائد في حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم ، وفي التغزل بالكعبة المكرمة ، وفي الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وفي مدح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه ، وفي معراج الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم .
وله قصيدة ( القصيدة الثالثة والعشرون ) قالها بمكة في الشوق إلى ولديه وقد تركهما في ( برع ) كما يقول :
وهي تدل على أنه أقام بمكة حينا ، ولا ندري هل كانت هذه الإقامة في موسم الحج فقط ، أم أنها كانت إقامة طويلة وقصيدته الثامنة والأربعون تدل على أن إقامته بمكة كانت لغرض الحج والزيارة .
وفي الديوان عدة قصائد في مدح بعض الصالحين من معاصريه . وليست لها قيمة أو أهمية بجانب قصائد في الذات الإلهية ، أو في الذات المحمدية ، التي تتجلى فيها شاعريته ، وصوفيته وشخصيته ، بأجلى معانيها .
وعلى الجملة فديوان البرعي ثروة صوفية كبيرة ، لأنه عامر بدلائل وجده وحبه وهيامه وصوفيته .
والبرعي يمنى جاور في الحجاز ، وتوفي قرب المدينة ، الظاهر أن هذه الرحلة هي التي يصفها في قصائده ، ولكنها ليست ذات دلالة على ذلك ، لأن الصوفي لا يتحدث إلا عن هواه الأكبر لا عن ذاته ونفسه . . وذلك سر الغموض في معارفنا عن البرعي .
والكثير من الباحثين يجعلون البرعي من شعراء النصف الأول من القرن الخامس الهجري ، وذكر ذلك بروكلمان ، وعنه أخذ : سركيس ، وجورجي زيدان الذي لم يؤرخ له ، وإنما ذكره مع جماعة من الشعراء توفي أقدمهم نحو عام 554هـ : 1159م .
إلا أن الديوان وخصائص شعره ، وما ورد فيه من أعلام صوفية ، وكذلك ذكر صاحب ( تاج العروس ) السيد محمد مرتضى الحسيني له ( وهو متوفي عام 1205هـ ) تشير إلى أنه متأخر عن القرن الخامس الهجري بكثير ، وربما كان من شعراء القرن الثامن الهجري على أكثر تقدير .
وكل ذلك على أية حال دليل على أن البرعي عاش بعد القرن الخامس بطويل .
ومما يدل على ذلك أيضاً أن في شعره خصائص الشعر في عصر المماليك . وأغلب الظن أنه عاش قرب آخر عصرهم . والصحيح أنه توفي عام 803هـ .
ويجعله عمر فروخ من شعراء القرن العاشر الهجري على الأقل . والبرعي الهاجري اليمني العالم الشاعر الصوفي البليغ . نشأ في بلدته ( الثيابقين ) ، وأخذ الفقه والنحو على علماء عصره حتى تأهل للتدريس ، وأتته الطلاب من كل مكان ينهلون من علمه ، واشتغل بالإفتاء ، وعدّ من العلماء المجتهدين ، كما أنه كان من الشعراء المجيدين ، وله مدائح كثيرة في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومن مشهور شعره قصيدة مطلعها
لآل هند عظهن الغمامات
وديوان البرعي مشهور . فهو في التصوف يحتل منزلة عالية في هذا الفن ، وهو ولا شك ثروة أدبية وصوفية كبيرة ، وفيه قصائد في تمجيد الله عز وجل ، وفي المدح النبوي ، وفي الاستغفار ، وفي مدح آل البيت ، وفي التشوق لمكة المكرمة والمدينة المنورة وغير ذلك ، ومن شعره قصائد الاستغاثة بالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، وفي الوعظ وفي موضوعات شتى .
ويمتاز شعر البرعي بالسلاسة والبراعة والإشراق والسهولة ، ويلقى ذيوعاً عند جميع طبقات الصوفية ، وهو شعر جدير بالحفاوة والتقدير والاهتمام .
والديوان مملوء بالابتهالات والتضرعات والمناجاة والاستعطاف والمدائح النبوية الشريفة ، وهو حافل بالمعاني الجيدة والخيالات الرائعة والصور البليغة ، وها هو ذا الديوان في هذه الطبعة الجديدة للقراء في جميع أنحاء العالم الإسلامي ، وبالله التوفيق .
المصدر: من كتاب التصوف في الإسلام وأعلامه للدكتور محمد عبد المنعم خفاجي– ص 67 – 70 .